كشف توي وورلد ديسك أن السد العالي في أسوان، الذي شكّل لعقود أحد أبرز المشروعات الهندسية في مصر وأسهم في السيطرة على فيضانات نهر النيل وتأمين المياه وتوليد الكهرباء، أدى في المقابل إلى تداعيات بيئية متزايدة في دلتا النيل، بعدما حجب الرواسب الطبيعية التي كانت تغذي الأراضي الزراعية وتحمي السواحل الشمالية من التآكل.


وأوضح موقع تايمز أوف إنديا أن نهر النيل شكّل شريان الحياة في مصر عبر آلاف السنين، إذ كانت مياه الفيضان القادمة من المرتفعات الإثيوبية خلال فصل الصيف تحمل كميات هائلة من الطمي البركاني الأسود الغني بالعناصر الغذائية، وهو ما منح الأراضي الزراعية خصوبتها الطبيعية وأسهم في استقرار الحياة على ضفاف النهر.


السد العالي حجب الطمي وأفقد الأراضي الزراعية خصوبتها



مع تزايد عدد السكان خلال القرن العشرين، اتجهت مصر إلى تشييد السد العالي لضبط تدفق النيل والحد من أخطار الفيضانات والجفاف، إضافة إلى توفير مصدر مستقر للمياه والطاقة الكهربائية اللازمة للتنمية الصناعية.
 

لكن دراسة موسعة نشرتها مجلة Open Journal of Soil Science (المجلة المفتوحة لعلوم التربة) أشارت إلى أن السد أوقف انتقال كميات ضخمة من الرواسب إلى مجرى النهر في شمال البلاد. فعندما تصل المياه المحملة بالطمي إلى بحيرة السد، تنخفض سرعتها، فتترسب الرواسب في قاع الخزان بدلاً من انتقالها إلى الدلتا.
 

وكان النيل ينقل قبل بناء السد نحو أربعين مليون طن من الرواسب الخصبة سنويًا إلى المناطق الشمالية، بينما تراجع هذا التدفق بصورة كبيرة بعد تشغيل السد.
 

وأدى غياب الطمي المتجدد إلى انخفاض الخصوبة الطبيعية للتربة الزراعية، ما دفع المزارعين إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الأسمدة الكيميائية، وهو ما انعكس سلبًا على بنية التربة وزاد من تلوث المجاري المائية نتيجة تسرب المواد الكيميائية.
 

تآكل السواحل وهبوط الدلتا يهددان شمال مصر
 

أبرزت دراسة أخرى حملت عنوان Modeling the Impact of Controlled Flow and Sediment Releases for the Restoration of the Nile Delta, Egypt (نمذجة تأثير التدفقات المُدارة وإطلاق الرواسب لاستعادة دلتا النيل في مصر) أن السواحل الشمالية للدلتا تواجه خطرين متزامنين.

 

فانخفاض كميات الرواسب التي تصل إلى البحر المتوسط سرّع تآكل الشواطئ الرملية بفعل التيارات البحرية، بينما استمر هبوط أراضي الدلتا نتيجة انضغاط الطبقات الرسوبية القديمة تحت أوزانها الطبيعية.
 

وفي الماضي، كانت طبقات الطمي الجديدة تعوض هذا الهبوط تدريجيًا، أما الآن فأصبح انخفاض منسوب الأرض يتواصل في ظل انقطاع الإمدادات الطبيعية من الرواسب.
 

كما أدى غياب الفيضانات الموسمية إلى تراجع عملية التنظيف الطبيعي التي كانت تزيل الأملاح والملوثات والمخلفات الزراعية نحو البحر، فتراكمت المواد الضارة داخل التربة والمسطحات المائية، وارتفعت ملوحة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إلى جانب تضرر الثروة السمكية.
 

ومع استمرار هبوط سطح الدلتا واقترابه من مستوى سطح البحر، ازدادت قدرة مياه البحر المتوسط على التسلل إلى خزانات المياه الجوفية التي يعتمد عليها ملايين السكان في المناطق الساحلية.
 

حلول علمية لإنقاذ الدلتا وسط تحديات إقليمية
 

اقترح الباحثون تطوير نماذج جديدة لإدارة المياه تعتمد على تحسين كفاءة أنظمة الري، بما يوفر نحو عشرة مليارات متر مكعب من المياه سنويًا، ثم إطلاق هذه الكميات من المياه من السد العالي خلال موسم الفيضان الطبيعي.


ورأى العلماء أن استخدام تقنيات نقل الرواسب أو تجريفها وإعادتها إلى مجرى النهر قد يسهم في استعادة خصوبة الدلتا والحد من الهبوط الأرضي والتصدي لتداخل مياه البحر.
 

لكن تنفيذ هذه الحلول يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تراكم المعادن الثقيلة والمخلفات الزراعية داخل الرواسب المخزنة في بحيرة السد على مدار عقود، إلى جانب تعقيدات إدارة تدفقات المياه في ظل التأثيرات الهيدرولوجية التي فرضها سد النهضة الإثيوبي.
 

وأكدت الدراسات أن إنقاذ دلتا النيل لم يعد قضية هندسية محلية، بل تحول إلى ملف إقليمي يتطلب تنسيقًا واسعًا بين دول حوض النيل، ورفع كفاءة استخدام المياه، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية النظام البيئي، ويحد من الآثار طويلة المدى التي قد تنتج عن تغيير الدورة الطبيعية للنهر.

 

https://timesofindia.indiatimes.com/world/rest-of-world/egypt-built-the-aswan-high-dam-to-tame-the-niles-floods-but-scientists-now-say-the-project-starved-the-delta-of-fertile-sediments-and-accelerated-coastal-erosion/articleshow/132363327.cms